سيد قطب
2833
في ظلال القرآن
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة : إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري ، وحيي بن أخطب النضري ، وكنانة بن أبي الحقيق النضري ، وهوذة بن قيس الوائلي ، وأبو عمار الوائلي ، في نفر من بني النضير ، ونفر من بني وائل ، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة ، فدعوهم إلى حرب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله . فقالت لهم قريش : يا معشر يهود ، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحق منه . فهم الذين أنزل اللّه تعالى فيهم : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا : هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا » إلى قوله : « أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ؛ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً . فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً » . فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - واتعدوا له . ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه ، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك ، فاجتمعوا معهم فيه . فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب ، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة ، والحارث بن عوف من بني مرة ، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع . فلما سمع بهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وعمل معه المسلمون فيه . فدأب فيه ودأبوا . وأبطأ عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين ، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ويستأذنه المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له ، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له . فأنزل اللّه في أولئك المؤمنين . . « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ . إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . . ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ، ويذهبون بغير إذن من النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً . قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً ، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » . . ولما فرغ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة ، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة . وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد . وخرج رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم ،